مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

295

تفسير مقتنيات الدرر

أنّ مساهلة النبيّ إيّاهم ومجاوزته عنهم من رحمته تعالى أي بسبب رحمة اللَّه ، رحمة عظيمة كائنة من اللَّه وهي تخصيصه بمكارم الأخلاق . كنت ليّن الجوانب لهم وعاملتهم بالرفق والتلطَّف بعد ما كان منهم من المخالفة . * ( [ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ] ) * أي جافيا بين الخلق قاسي القلب غير رؤوف * ( [ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ] ) * وتفرّق أصحابك ونفروا منك ، فنفى سبحانه تعالى الفضاضة عن لسانه والقساوة عن قلبه * ( [ فَاعْفُ عَنْهُمْ ] ) * فيما يتعلَّق بحقوقك * ( [ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ] ) * فيما يتعلَّق بحقوقه تعالى إكمالا للبرّ بهم * ( [ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ] ) * أي استخرج آراءهم من قولهم : شرت العسل إذا استخرجته من مواضع النحل . وفائدة الاستشارة الاستعلام عمّا عندهم والتطييب لنفوسهم وحصول التأليف لهم أو ليمتحنهم بالمشاورة ليميّز الناصح من الغاشي ، ولعلّ المراد إجلال أصحابه وليقتدي امّته في لقاء العدوّ والحرب ، وليس المراد أنّك تجهل أمرا وستعلم من مشاورتهم وكيف يحتاج إلى رأيهم وهو مستغن بالوحي عن تعرّف الثواب والخطاء ؟ والقلم الأعلى علمه صلَّى اللَّه عليه وآله واللوح كتابه ودفتره فكيف يكون محتاجا إلى شورهم ؟ هيهات أين الثرى والثريّا ؟ ولو كان المراد مثل قولهم : « إيّاك أعني واسمعي يا جارة » ويريد اقتداء امّته بهذه السنّة فذلك أيضا في أمور مجهولة معزوبة عن علم بعضهم مثل أنّ تاجر الثمار مثلا لا يعرف أنّ تمر البصرة شراؤها أنفع أم تمر الهجر فيستشير منه أيّهما اشترى أنفع ، وأمثال هذه الأمور لا أن يتشاوروا بينهم أن يجعلوا حدّ الزاني ألف جلدة إذا كان فقيرا وواحدة إذا كان ذا شرف ، ونعم ما قال أمير المؤمنين : فيا للَّه وللشورى ! قال الرازيّ : ثمّ إنّه اتّفق أهل الإسلام وأجمعوا على أنّ ما نزل فيه وحي من عند اللَّه لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمّة لأنّه إذا جاء النصّ بطل الرأي والقياس فأمّا ما لا نصّ فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا ؟ قال الكلبيّ وكثير من العلماء : هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب وحجّتهم أنّ الألف واللام في « الأَمْرِ » للاستغراق ولمّا بيّنّا أنّ الَّذي ينزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه فوجب حمل الألف واللام هاهنا على المعهود السابق والمعهود السابق في هذه الآية إنّما